ابن عبد الرحمن الملطي

31

التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع

عليه أن ينكره كما مضت به السنة ، وقد اختلف أيضا في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فقال قوم : لا ينكر على أهل الصلاة إلا بالنعال ، والأيدي . وقال آخرون : بالنعال والأيدي والكلام ، وقال آخرون : بالقبض ، والسلاح ، وقال آخرون : لا ينكر أحد منكرا حتى يجتمع له عشرة آلاف رجل يقيمون إماما يقاتل معهم ، وإلا لم يلزمه فرض الإنكار ، فنقضوا بقولهم هذا عروة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فاحذر ذلك كله . واعلم أن المعتزلة التي تحب أن تعرف ما هي عليه كما سألتني أن أشرح لك ذلك لتعلمه فاعلم أنها بنيت على الأصول الخمسة التي ذكرتها ذلك . فالمعتزلة كلها متمسكون بالقول بذلك ويجادلون عليه ، وقد وضعوا في ذلك الكتب الكثيرة على من خالفهم ، ويتبرءون ممن خالفهم فيها ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم ، أو إخوانهم ، أو عشيرتهم . وقالوا : إن فاعل الكبائر بعد إيمانه المقيم على إيمانه فاسق لا مؤمن ولا كافر ، ولا مؤمن ولا مسلم ، ولا منافق كما سماه الله فقط وسموه المنزلة بين المنزلتين أي منزلة بين الكفر والإيمان . وقالوا في إنكار المنكر الّذي يجب على الرجل إذا رأى المنكر الّذي يجب فرض رده عليه : أن ينكره بما قدر عليه ، فإن لم يقدر على إنكاره بأشد الأمور [ وإلا أنكره ] فبقلبه ولا شيء إذا لم يقدر على تغييره . وهذه الأصول الخمسة ملجأهم ، وأصل مذهبهم مع اختلافهم في الفروع ، وهم يتوالون عليها ، ويعادون عليها ، ويردون الفروع بها ، وهم معتزلة بغداد ، ومعتزلة البصرة . وبالبصرة أول ظهور الاعتزال لأن أبا حذيفة واصل بن عطاء جاء به من المدينة ويقال : معتزلة بغداد أخذوا الاعتزال من معتزلة البصرة ، أولهم بشر بن المعتمر خرج إلى البصرة ، فلقى بشر بن سعيد ، وأبا عثمان الزعفراني ، فأخذ عنهما الاعتزال ، وهما صاحبا واصل بن عطاء فحمل الاعتزال والأصول الخمسة إلى بغداد ، ودعا إليه الناس ، ففشى قوله ، فأخذ الرشيد وحبسه في السجن ، فجعل يقول في السجن رجزا مزاوجا في العدل ، والتوحيد ، والوعيد حتى قال أربعين ألف بيت لم يسمع الناس بشعر مثل ذلك ، فألهج الناس ينشدها في كل مجلس ومحفل ، فقيل للرشيد : ما يقوله في السجن